التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كلـب خائن : قصة قصيرة للقاص الاستاذ عادل المعموري


كلـب خائن 
"""""""""""""" قصة قصيرة

.
يجدني رابضاً أمام كوخي الصغير ، يدنو مني ، يمسح على رأسي بتؤدة..ينظر حواليه متفحصاً المكان، يرى إناء الماء فارغاً وآنية الطعام تعصف بها الريح ، يرمقني بنظرة تودد ويهمس لي..فهمتُ من حركة شفتيه، أنه يعتذر مني لأنه انشغل بزواجه الجديد وأهملني، يرسم بحركة يديه وحركة شفتيه أنه سيجلب لي طعاماً حالاً . 
أحنيتُ رأسي ودفنته بين قائمتيَّ .بعد قليل جاءني يحمل بين يديه الماء والطعام ..وضعهما أمامي وجلس مقرفصاً يحدّق بي ، لم أعبأ به. مكثتُ منكسّا رأسي إلى الأرض ، تملّمل الرجل ومدَّ كفه فوق رأسي الأبيض الناعم ، انفرجت شفتاه وهو يسمعني عبارات الاعتذار ويسترضيني كي أقبل الطعام منه وأنه نادم كونه نسي جلب الطعام لي طوال الأيام الماضية ، كأنه يقول لي: 
_أرجوك لا تستاء مني ..أنا مخطيء بحقك لمّا حرمتكَ من الطعام والشراب ..كُل ياصديقي طعامك ؟ 
رفضتُ تناول طعامي باصرار وأشحتُ بوجهي عنه .. أعيتهُ الحيلة في اقناعي. عندما أعاد الكرّة ليمسح على رأسي .ندّت مني صرخة مكبوته محاولاً عضَّ يده ..قطّب الرجل حاجبيه ونهض واقفاً والاستغراب بادِِ على ملامح وجهه ..أطال النظرنحوي وهو يفكر بتلك الحركة المريبة التي فعلتها معه..عرفَ أني غاضب منه لأمر يجهله تماماً. 
،نهضتُ من جلستي وسرتُ نجو الباب الكبير وربضتُ عند الكتف الترابي المقابل ، معاوداً دفن رأسي بين يديَّ ، هزّ رأسه صاحبي أسفا وغاب في الداخل .
بعد قليل خرج ومعه زوجته الجديدة وهما يشيران إليّ بالقدوم إليهما ، لم أتحرَّك من مكاني وظللتُ أرمقهما بعينين حزينتين ، تأوَّه الرجل وبدا من حركة شفتيه أنه يعلمها أنه مقصُّر بحقي وأنني مستاءٌ منه 
ضحكتْ المرأة وألتصقت به بنزق وهي تكلّمه ،فهمتُ منها أنها تقول له: أنها تخاف أن أعضَّها
رأيته يربّت على كتفها مطمئناً إياها و يمدحني ، بريق عينيه وحركة لسانه تخبرانها، أنني ودود ومخلص ولا يمكن أن أعضَّها . 
لمّا اقتربتْ مني عروسه الجديدة عن مبعدة خطوتين ..نبحَتُ بوجهها بقوّة مكشّرا عن أنيابي..فتراجعت إلى الوراء وهي تلوذ به خائفة . أذُهله سلوكي الذي عدَّه غريباً وغير متزن ، ربّت الرجل على كتفها ثانية يعتذر لها ويشرح لها بحركة يديه وفمه أنني لن أفعلها وأهاجم زوجته ـوأخذ يهدَّئ من روعها 
. 
مرّ أسبوع باكمله وأنا أرفض تناول الطعام والشراب، وإن رأيت زوجته الجديدة ،أمعن في النباح و أحاول مهاجمتها..هزُل جسمي وأصبح ضامراً وحركتي غدت بطيئة.فأزداد حنقي وحقدي عليها .ذات صباح يقرّرصاحبي أن يأخذني إلى مكان بعيد عن البيت ليرفع عن كاهلي الحزن والضجر ..حملَ معه شيئاً من الطعام وقادني إلى بستانه القريب ..طوال بقائي معه في البستان بين الأشجار المثمرة والنخيل السامقة ونسيم الربيع الذي يداعب سعف النخيل بهوائه العذب .وقفتُ كالتمثال دون أن أفصح عن مشاعري بل ازداد حزني وكآبتي ، مرّوقت طويل ، لم يجد مني أيمّا استجابة ،الطعام الشهي الذي وضعه أمامي تركته وأقعيتُ في مكان بعيد عنه، كنتُ بحاجة الى لقمة تقوّي بدني الهزيل،
في لحظة إغراء خاطفة ،أردتُ أن أنكبَّ على صرَّة الطعام وألتهم مافيها، ولكني عدلتُ عن فكرتي وواصلتُ الإضراب ، وبين الفينة والأخرى أرفعُ رأسي نحوه، أرمقه بنظرة ذات مغزى ثم أعود لأخفض رأسي بأسف ، يقرّرصاحبي معرفة ما أصابني. 
دنا مني وهو يمسك بي من رأسي أخذ يخاطبني ، يمسّد فوق جذعي ، ويمسح برقه بأصابعه فوق رأسي ،وقد قال كلاماً كثيرا .إنه يعاتبني على سلوكي الغريب ويتوعدني خيراً ان عدتُ لسيرتي الأولى. 
ما أن أعاد وضع يده على رأسي ، حتى انتفضتُ نابحاً عليه محاولاً أن أشرح له ما يؤرَّقني ولكنه أنىّ له أن يفهم ما أقول ، لم ألبث أن سكنَتُ مشيحاً بوجهي بعيدا ،طرأت في بالي فكرة لعلها تنفع ويفهم ما أريد الإشارة إليه ..عمدتً إلى صخرة قريبة مني وأنا أحاول تمثيل عملية الجنس على الصخرة الراقدة فوق العشب ، شرع الرجل يضحك حتى استلقى على قفاه. 
، أنا اعلم أنه يحبني ولايمكنني أن أنسى جميله عندما وجدني جرواً صغيرا ً بلا أم ولا أخ ..وحيداً كنت بعدما فقدتُ أمي في معركة غير متكافئة مع كلب ضخم افترسها وتركني دون أن يمّسني بسوء ، رأيت علائم النصر ترتسم في عينيه تاركاً أمي ممرَّغة في التراب والدم ينزف من رقبتها . 
أحاول النهوض، بالكاد استطعت أن أقف على قدميّ ،ضحكته المفاجئة وهو يشاهدني أتسلق الصخرة ،أو حت له أني حزين من أجل احتياجي لأنثى . هكذا كان يظنُّ .. سرتُ ميمَّماً وجهي إلى الأمام متخذاً سبيلي نحو البيت أو بالأحرى نحو بيتي الصغير ..تبعني يمشي خلفي حتى اقتربت من البيت ودلفتُ إلى مكمني ،أقعيتُ في مكاني أنظر بعينين دامعتين صوب الأفق البعيد .
في اليوم التالي تلقّى صاحبي بلاغاً من أحدهم ، سبق أن رأيتُ ذلك الرجل العجوز يقابله عند عتبة الباب الرئيس دون الدخول إلى البيت ، كان في كل مرة يسلّمه ورقه ويرحل معتذرا ، ربما كانت الورقة فيها حساب لأموال.. لأن ذلك الرجل الزائر كان يقدِم إليه كل نهاية موسف قطاف الحمضيات .حزم صاحبي أمره وقاد سيارته متجها عبر ترعة الماء في الجادة الترابية واختفت السيارة خلف صف النخيل التي اشرقت شمس الصباح من خلفها ..بقيت العروس الجديدة في الدار نائمة ولم تخرج إلى فناء البيت إلاّ بعدأن توسطت الشمس كبد السماء ، حيث انشغلت بغسل الملابس في طست نحاسي قرب الحنفية المتكأة على جذع شجرة التوت اليابسة .
بين الفينة والأخرى تحدجني بنظرة توجَّس ، خشية أن أهمُّ بمهاجمتها ..كنتُ ألمح الخوف في عينيها ، تنتنقل في أرجاء الفناء الواسع بحذر .
لما أكملت نشر الملابس المبلولة على الحبل المربوط بين شجرة التوت والجدار الطيني المقابل ..انتبهت إلى صوت صفير يتسلل إلى مسامعها من خلف الشجرة التي تحاذي البوابة الرئيسة ..ابتسمت ابتسامة عريضة حالما رأته ..صاحت به وهي تبتسم ،رأيتها تعنّفه ثم تقول له كلاماً ، فهمت من حركة يديه ونظره إلى السماء ،أنه علمَ بغياب زوجها وجاء ليلتقي بها خلسة في غيابه .

.ضحكا ثم اختضنها بين ذراعيه وغابا وراء الباب ..بدا الغضب يتسلل إلي وأنا أتنصت لضحكاتهما ..لبثتُ أمام الباب منتظرا خروج الرجل الغريب من الغرفة ..قررتُ أن أهاجمه وافتك به فور خروجه من الداخل . الباب الموصد يحول دون دخولي عليهما . صممتُ على افتراسه .سأباغته واثباُ عليه بما أملك من بقايا قوّة ..ولكن ما أن رآني مكشَّرا عن أنيابي ومتأهبا للقفز عليه ، أسرع راكضاً وهو يتسلق الجدار الطيني بكل خفة. 
سمعته يسقط خلف الجدار متأوهاً ثم اختفى صوته بعد ذلك ،خرجت هيّ ووقفت في عتبة الباب ـرمقتني بعينين غاضبيتين ،انحنت على أنبوب حديدي كان مركوناً خلف باب غرفتها .. أمسكت بالقضيب الحديدي وتقدّمت مني تهمُّ بضربي .. تراجعت إلى الوراء وأنا ألهث ..رفعت ذراعها ، تدمدم بكلمات مبهمة ..الضربة الشديدة وقعت على رتاج الباب فتناثرت قطع الطين اليابس لكوخي الصغير ..بحركة سريعة لم تتوقعها ، قفزتُ نحوها ..أستطعت ان أسقطها أرضا وأثب فوقها وأنا أنبح بصوت مبحوح .
.نهضت بعد ذلك ، 
تجرجرقدمين متعبتين وثوبها ممزق من أسفله حد منطقة الظهر ..عدتُ إلى مكاني لا هثاً أنظر نحوها وهي تبكي متلمّسة جراحها في ساقيها وذراعيها .. فكرتُ في ترك المكان والابتعاد خشية أن يعود زوجها ويصبّ عليّ جام غضبه دون معرفة السبب ، كيف استطيع أن أشرح له وهو لا يفهم لغتي ..كيف سأقول له أن زوجتك الجديدة تخونك ؟!
عند عودة زوجها قبل المغيب ..أخبرته بما حدث ..توقعتُ ما كنت أحسب له ، لم يفه بكلمة ،رأيته يصعد سيارته ويدير محركها بغضب ،راح يبحث عن شي ما بين أدوات السيارة ، جلبَ حبلا سميكاً وربط قوائمي مع بعضها وهو يتنفس بحنق ظاهر ، قذف بي في حوض سيارته الخلفي المكشوف .
عند نقطة ما بعيدة عن القرية، سارت فيها السيارة مسافة طويلة جدا 
أوقف سيارته.. قام بحملي كما يحمل الخروف، ثم طرحني في حفرة وتركني مقيّداً .. ركب سيارته ملقياً عليَّ النظرة الأخيرة و يتمتم بغضب ، كان فمه يزبد ويتطاير منه الرذاذ ..ويشير باصابعه نحو الأرض وكأنه يذكَّرني أنه قد أعادني إلى المكان نفسه التي انتشلني منه عندما كنتُ جرواً يتيماً .
بصق عليّ ..وأدار محرّك سيارته متجهاً صوب القرية دون أن يلوي على شيء .تركني في الحفرة منبوذاً... كأي كلبِِ أجرب !
.
بقلم / عادل المعموري

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مريضتي .. صديقتي ... قصة قصرة جدا ( واقعية )

الانسانية يطفح بها بعضهم ويفقدها آخرون نشر الدكتور حيدر محسن جارالله : وهو عراقي من البصرة ______________ مريضتي .. صديقتي بينما كنت اجري لها ناظورا للمعدة ... دون وعي كامل مدت كفها و أمسكت بساعدي الأيسر .. حاول المساعدون ابعاد يدها فقلت لهم : دعوها ... انها تمسك بيدي لتحصل على الطمأنينة و واصلت فحصي و هي متشبثة بذراعي احسست انها تضع كل ثقتها و ايمانها بي ... و طوال الفحص فهمت من لغة يدها ... ما لم تقلها كلماتها عندما انهيت الفحص ... بحركة سريعة أمسكت يدي و قبلتها بشكر اغرورقت عيناي بالدموع ... و قبلت رأسها بعرفان و محبة بقلم : الدكتور حيدر محسن جارالله

رواية إرفعوا صوت التلفاز : للروائي علي الحديثي

النـص : رواية إرفعوا صوت التلفاز.. وجع المكان وذاكرته للمكان ثمةَ سرّ ووقع خص لدى بعض الكُتّاب، فتراه يعيش سحره وقدسيته، لما فيه ذكريات جميلة، وأما بعضهم الآخر فالمكان لديهم ترنيمة الوجع الأولى المحملة بذكريات مؤلمة كذاكرة الطفولة التي انتزعت جذورها منها لتبعده لمكان لا وقع له فيه، فتبقى صور الرحم الأول يراوده كلما نطق باسم ذلك المكان فيعيش وجدا خاصا معه لدرجة أنه يؤنسنه ويستنطقه، وهذا ما لمسناه في بعض الروايات العراقية والعربية، وقد يكون هو البطل الذي يحرك كل الكوامن التي من حوله، وهذا ما تحسسناه وأمسكنا بأول خيوط فعله من خلال عمل الروائي علي الحديثي (ارفعوا صوت التلفاز)، والذي اعتمد بكتابته على أسلوب (المنوفونية) أو المنولوجية الذي يعتمد على راوٍ عليم هو بطل الرواية الذي يكون هو صاحب الحدث الأحادي، يحاول من خلاله أن يشرك الشخصيات الأخرى بأفعال وأحداث جانبية، لكن يبقى هو الشخصية التي ترسم أول ملامح وجع حدثه وما ألمّ به، فالهيمنة تكون للشخصية الفعّالة في العمل..فالبطولة هنا فردية، وإن كان هناك ثمة إشكالات يقع فيها البطل من خلال سير الحدث، قيم بالية وهذا ما يعطينا انطباعا أن...

الريال يضع اليوفي في محنه

اكتسح ريال مدريد مضيفه يوفنتوس بثلاثية نظيفه في ربع نهائي دوري ابطال اوروبا في مباراة كان فيها الريال هو الافضل .. سجل اهداف اللقاء النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو هد...